الشيخ محمد رضا مهدوي كني

198

البداية في الأخلاق العملية

ولكن يجب أن نعلم بما أنّ موارد تجويز الكذب الثلاثة - أي الحرب ، والاصلاح ، وعدة الزوجة - قد ذكرت معا في الأحاديث ، لذلك تشير وحدة السياق إلى انّ عدة الكذب لم تجوّز بدون قيد أو شرط . فالكذب على صعيد الموردين الأولين - أي الحرب والاصلاح - انما أجيز لحفظ مصلحة مهمة ينشأ عن تركها مفسدة كبرى . ففي قضية الحرب تطرح قضية النصر والانكسار ، ولا يمكن التساهل في قضية كهذه . كما تعد قضية الاصلاح بين المؤمنين ، من القضايا الاجتماعية والأخلاقية التي تحظى في العقيدة الاسلامية بأهمية كبرى بحيث لا تجيز التجافي بين الاخوة في الايمان لأكثر من ثلاثة أيام ، وتملي عليهم استخدام كلّ ما لديهم من جهد للتصالح والائتلاف . وعلى ضوء هذا السياق ، نستشف انّ تجويز الكذب في المورد الثالث - عدة الزوجة - لا بد وأن يكون في ظل ظروف وشرائط شبيهة بما هي عليه في الموردين الأولين . وعلى هذا الضوء ، لا يمكن مع وجود الامكانات المالية ، الكذب على الزوجة والأسرة في المواضيع الجزئية . ولو أراد وليّ أمر الأسرة أن يكذب عليها في كل

--> - على الصادقين في العمل أيضا : وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ( التوبة / 119 ) . كما انّ الفجر الصادق والفجر الكاذب ، هما أيضا من الكلمات ذات الاستعمال الشائع . ويبدو عدم استخدام التأويل والتشبيه في هذه التعابير جميعا ، وأنها تجري مجرى الحقيقة ، لأنّ معيار الصدق والكذب في جميعها ، هو الانطباق وعدم الانطباق مع الواقع مهما كان : فقد يكون هذا الواقع أمرا خارجيا ، وقد يكون نوعا من التعهد والالتزام ، وقد يكون اعتقادا قلبيا . اذن ملاك الصدق والكذب يتمثل في الانطباق وعدم الانطباق مع المطابق أو الواقع المطلوب ، وما دام هذا المعيار ممكنا فلما ذا نستعين بالمجاز والتشبيه ونهرب من الحقيقة ؟ ولذلك تعد عدة الكذب ، من مصاديق الكذب الواقعية ، ومن يعد عدة غير جادة ، انما يكذب فيها ، لأنّ إظهاره لا ينطبق مع إسراره ، سواء أخذنا بها كخبر عن المستقبل أو كانشاء التعهد . والكذب واضح في الصورة الأولى . اما في الصورة الثانية فلما كان ظاهر الكلام يشير إلى جدية مفهومه ، لذلك حينما لا يوجد لدى القائل قصد جاد في هذا التعهد ، فلن ينطبق كلامه المتضمن للتعهد ، مع قصده الجاد . وعدم الانطباق هذا دليل على كذبه ، واللّه أعلم .